ابن الجوزي

295

صيد الخاطر

باطنا مع إظهار المخالطة في الظاهر ، فإذا أردت أن تؤذيه فأول ما تؤذيه به اصلاحك واجتهادك فيما يرفعك . ومن أعظم العقوبة له العفو عن زلله . وان بالغ في السب فبالغ في الصفح تنب عنك العوام في شتمه ، ويحمدك العلماء على حلمك . وما تؤذيه به من كلمة إذا قلتها له سمعت أضعافها . ثم بالخصومة تعلمه أنّك عدوّه فيأخذ الحذر ويبسط اللسان ، وبالصفح يجهل ما في باطنك ، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه بما يؤذي دينك فيكون هو الذي قد اشتفى منك وما ظفر قط من ظفر به الاثم بل الصفح الجميل . وانما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه إما عقوبة لذنب أو لرفع درجة أو للابتلاء فهو لا يرى الخصم وانما يرى القدرة . 249 - حكمة منع إجابة الدعاء إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها فليس لك الا الدعاء واللّجأ بعد أن تقدم التوبة من الذنوب ، فان الزلل يوجب العقوبة ، فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب ارتفع السبب ، فإذا تبت ودعوت ولم تر للإجابة أثرا فتفقد أمرك ، فربما كانت التوبة ما صحت ، فصححها ثم ادع ولا تملّ من الدعاء ، فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة ، وربما لم تكن المصلحة في الإجابة ، فأنت تثاب وتجاب إلى منافعك . ومن منافعك أن لا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره . فإذا جاء إبليس فقال : كم تدعوه ولا ترى إجابة ؟ فقل : أنا أتعبد بالدعاء ، وأنا موقن أن الجواب حاصل ، غير أنه ربما كان تأخيره لبعض المصالح عليّ مناسب ، ولو لم يحصل حصل التعبد والذل . فإياك أن تسأل شيئا الا وتقرنه بسؤال الخيرة ، فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سببا للهلاك ، وإذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا لجليسك ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك وترى أن ما وقع لك لا يصلح ، فكيف لا تسأل الخير ربك وهو أعلم بالمصالح والاستخارة من حسن المشاورة . 250 - أكثر طبقات الناس فاسدون نظرت إلى الناس فرأيتهم ينقسمون بين عالم وجاهل ، فأما الجهال فانقسموا ، فمنهم سلطان قد ربي في الجهل ولبس الحرير وشرب الخمور وظلم الناس ، وله عمال على مثل حاله ، فهؤلاء بمعزل عن الخير بالجملة . ومنهم تجار همتهم الاكتساب وجمع الأموال ، وأكثرهم لا يؤدي الزكاة ولا يتحاشى من الربا فهؤلاء